حين يسأل المدير المالي عن حجم إنفاق المؤسسة على تطوير القيادات في الربع الماضي، ينبغي أن تأتي الإجابة خلال ثوانٍ. لكن الواقع يقول إنها تستغرق أسابيع. يستخرج فريق المشتريات فواتير الموردين، بينما يصدّر فريق آخر بيانات الإنجاز من نظام إدارة التعلم، ويعمل فريق ثالث على مطابقة تكاليف السفر مع الإدارة المالية. أما المكاتب الإقليمية فترسل جداول بياناتها الخاصة، كل منها بتنسيق مختلف.
في دولة الإمارات ومنطقة الخليج العربي، حيث يشهد الاستثمار في التدريب المؤسسي نمواً متسارعاً، يُفرز هذا التشتت تحدياً خاصاً. فمع توقعات وصول سوق التعلم الإلكتروني في دول الخليج إلى 1.38 مليار دولار، ومساهمة التدريب المؤسسي بنسبة 45% من هذا الإنفاق، فإن العجز عن توحيد بيانات الاستثمار في التدريب ليس مجرد إزعاج إداري بسيط، بل هو إخفاق في الحوكمة يُقوّض اتخاذ القرارات الاستراتيجية.
المشكلة ليست في غياب البيانات، بل في أن بيانات الإنفاق على التدريب موزعة على اثني عشر جدول بيانات مختلفاً لأن أحداً لم يُصمّم لها مكاناً موحداً منذ البداية.
التناقض بين الكفاءة التشغيلية والرؤية الاستراتيجية
يواجه مديرو التعلم والتطوير تناقضاً جوهرياً: الأنظمة التي تُسيّر العمليات التدريبية بسلاسة ليست ذاتها التي توفر الرؤية الاستراتيجية. فنظام المشتريات يتتبع عقود الموردين لا نتائج التعلم، والنظام المالي يتتبع مراكز التكلفة لا فجوات القدرات، ونظام إدارة التعلم يتتبع معدلات الإنجاز لا الإنفاق الخارجي، ونظام الموارد البشرية يتتبع أعداد الموظفين لا الاستثمار التطويري لكل دور وظيفي.
كل نظام يؤدي وظيفته الأساسية بكفاءة. المشتريات تحتاج إدارة علاقات الموردين، والمالية تحتاج ضبط الميزانيات، ونظام إدارة التعلم يحتاج تقديم المحتوى. لكن حين تطرح القيادة سؤالاً بسيطاً مثل: كم استثمرنا في تطوير الجيل القادم من القيادات؟ لا يملك أي نظام منفرد الإجابة الكاملة.
الحل البديهي، وهو نظام مؤسسي موحد، نادراً ما يعمل كما يُروَّج له. حاولت مؤسسات كبرى دمج كل شيء في منصة واحدة، لتكتشف أن هذه المنصة أصبحت صومعة بيانات جديدة. البيانات الفعلية لا تزال في جداول البيانات، لأن هذه الجداول مرنة وسريعة ويتحكم فيها من يحتاجها فعلاً.
لماذا تتكاثر جداول البيانات رغم وجود أنظمة أفضل
جداول البيانات ليست المرض، بل هي العَرَض. بيانات الإنفاق على التدريب تتشتت لأن البنية الأساسية للبيانات لم تُصمَّم قط للإجابة عن الأسئلة التي تطرحها القيادة اليوم.
تأمّل كيف تدخل بيانات الاستثمار في التدريب إلى المؤسسة: يُقدّم المورد فاتورة، فتسجلها المشتريات ضمن عقد، وتقيّدها المالية على مركز تكلفة، ويرصدها فريق التعلم والتطوير في جدول التخطيط. كل قيد صحيح في سياقه، لكن السياقات لا تتطابق.
فاتورة المورد تصف خدمة، وسجل المشتريات يصف عقداً، والقيد المالي يصف بنداً في الميزانية، وجدول التعلم والتطوير يصف برنامجاً. هذه أربع طرق مختلفة لوصف الإنفاق ذاته، ولا يرتبط أي منها بالآخر تلقائياً.
حين يحتاج أحدهم الإجابة عن سؤال استراتيجي، عليه مطابقة هذه الأوصاف الأربعة يدوياً. تحدث هذه المطابقة في جدول بيانات، فيصبح هذا الجدول المصدر الفعلي للحقيقة. ثم ينشئ شخص آخر جدوله الخاص لأنه يحتاج رؤية مختلفة قليلاً. وخلال أشهر، تظهر اثنا عشر جدولاً، يُديرها اثنا عشر شخصاً، وكل منها يحمل أرقاماً مختلفة بعض الشيء.
مخاطر الحوكمة التي تتراكم بصمت
لنتخيل مؤسسة كبيرة خاضعة للرقابة التنظيمية، حيث تطلب لجنة التدقيق تفصيلاً للاستثمار في التدريب حسب الوحدة التنظيمية للسنوات الثلاث الماضية. يكتشف مدير التعلم والتطوير أن البيانات موجودة لكن لا يمكن مطابقتها. فقد استخدمت الوحدات المختلفة اصطلاحات تصنيف مختلفة، وسُجّل بعض التدريب الخارجي عبر المشتريات، وبعضه عبر سداد المصروفات، وبعضه عبر الدفع المباشر. الأرقام لا تتطابق.
هذه ليست مشكلة افتراضية. تواجه كثير من المؤسسات الكبرى هذا الموقف بالضبط عند التحضير لعمليات التدقيق أو مراجعات مجلس الإدارة أو دورات التخطيط الاستراتيجي. فالعجز عن تقديم بيانات إنفاق تدريبي متسقة وقابلة للدفاع عنها يُنشئ مخاطر مصداقية لإدارة التعلم والتطوير ومخاطر حوكمة للمؤسسة ككل.
تتضاعف المخاطر مع الوقت. كل عام من البيانات المشتتة يُصعّب التحليل التاريخي، وكل تغيير في اصطلاحات التصنيف يخلق تحدي مطابقة جديداً، وكل تطبيق نظام جديد يُنشئ صومعة بيانات إضافية. يتراكم الدين التقني حتى تعجز المؤسسة عن الإجابة عن أسئلة أساسية حول استثماراتها الخاصة.
متطلبات بنية البيانات المتماسكة فعلياً
حل هذه المشكلة لا يتطلب نظاماً جديداً، بل يتطلب بنية بيانات تربط الأنظمة القائمة من خلال تعريفات مشتركة ومُعرّفات موحدة.
المتطلب الأول هو تصنيف موحد للاستثمارات التدريبية. يجب تصنيف كل نفقة باستخدام الفئات ذاتها، بصرف النظر عن النظام الذي يسجلها. يجب أن يكون هذا التصنيف بسيطاً بما يكفي للتطبيق المتسق، ومفصلاً بما يكفي للإجابة عن الأسئلة الاستراتيجية.
المتطلب الثاني هو مُعرّف فريد يربط السجلات ذات الصلة عبر الأنظمة. حين تصف فاتورة المورد وعقد المشتريات والقيد المالي وسجل برنامج التعلم والتطوير الاستثمار ذاته، يجب أن تتشارك مُعرّفاً موحداً يتيح المطابقة التلقائية.
المتطلب الثالث هو مصدر وحيد للحقيقة في إعداد التقارير، حتى لو بقيت البيانات التشغيلية موزعة. طبقة التقارير هذه لا تستبدل جداول البيانات، بل تجعلها غير ضرورية من خلال توفير الرؤية الموحدة التي أُنشئت جداول البيانات لتوفيرها.
عملياً، يعني هذا إرساء الحوكمة على تعريفات البيانات قبل تطبيق أي تقنية. التقنية هي الجزء السهل، والجزء الصعب هو الحصول على اتفاق المشتريات والمالية والموارد البشرية والتعلم والتطوير على تعريفات مشتركة والالتزام باستخدامها باتساق.
صورة النجاح في الواقع العملي
حين تُوحَّد بيانات الإنفاق على التدريب بشكل سليم، تظهر عدة تحولات مؤسسية.
أولاً، تُجاب الأسئلة الاستراتيجية خلال ساعات لا أسابيع. حين يسأل المدير المالي عن الاستثمار في تطوير القيادات، يستطيع مدير التعلم والتطوير تقديم إجابة موثقة فوراً لأن البيانات موجودة أصلاً في صورة موحدة.
ثانياً، تصبح قرارات الاستثمار مبنية على الأدلة. بدلاً من تخصيص الميزانية بناءً على أنماط تاريخية أو تأثيرات سياسية، تستطيع القيادة رؤية أين يتركز الاستثمار، وأين توجد الفجوات، وأين تتحقق أعلى العوائد.
ثالثاً، تتحسن مفاوضات الموردين. حين تستطيع المؤسسة رؤية إجمالي الإنفاق عبر جميع العقود مع مورد واحد، بما فيه الإنفاق غير المباشر عبر سداد المصروفات، تمتلك المشتريات قوة تفاوضية لم تكن تتوفر مع البيانات المشتتة.
رابعاً، يصبح التدقيق والامتثال روتيناً لا حالة طوارئ. البيانات موجودة ومتسقة ويمكن تقديمها عند الطلب. تختفي مخاطر الحوكمة.
الصعوبة الحقيقية: التوافق المؤسسي لا التقنية
الجزء الأصعب في توحيد بيانات الإنفاق على التدريب ليس تقنياً، بل مؤسسي.
للمشتريات أولوياتها الخاصة، وللمالية اصطلاحاتها الخاصة، وللموارد البشرية أنظمتها الخاصة. لكل إدارة أسباب مشروعة لطريقة هيكلة بياناتها. مطالبتها بالتغيير لصالح تقارير التعلم والتطوير تحدٍّ سياسي لا تقني.
تتوقف معظم المؤسسات عند هذه النقطة. يُدرك مدير التعلم والتطوير المشكلة لكنه يفتقر إلى الصلاحية لإلزام الإدارات الأخرى بالتغيير. يتحول المشروع إلى سلسلة من الطلبات التي تؤجلها الإدارات الأخرى. وتستمر جداول البيانات.
المؤسسات الناجحة هي تلك التي يأتي فيها التفويض من مستوى أعلى من المستوى الوظيفي. حين يطالب المدير المالي أو الرئيس التنفيذي ببيانات استثمار تدريبي موحدة، يتبع ذلك التوافق المؤسسي. بدون هذا التفويض التنفيذي، يستمر التشتت.
مبدأ يستحق التطبيق
بيانات الإنفاق على التدريب موزعة على اثني عشر جدول بيانات لأن أحداً لم يجعل تصميم بنية أفضل من مسؤولياته. جداول البيانات ليست المشكلة، بل هي الحل البديل لقدرة غائبة. بناء هذه القدرة يتطلب رعاية تنفيذية، واتفاقاً عابراً للوظائف على التعريفات، واهتماماً مستداماً بالحوكمة. التقنية هي الجزء الأقل أهمية. الالتزام المؤسسي هو كل شيء.
أسئلة متكررة
لماذا تظهر جداول البيانات حتى بعد تطبيق أنظمة جديدة؟
الأنظمة الجديدة تحل مشكلات تشغيلية لكنها نادراً ما تحل مشكلات التقارير. تظهر جداول البيانات حين لا يوفر النظام الرؤية المحددة التي يحتاجها شخص ما. الحل ليس إلغاء جداول البيانات بل تقليل الحاجة إليها من خلال توفير تقارير موحدة تجيب عن الأسئلة الاستراتيجية مباشرة.
كم يستغرق توحيد بيانات الإنفاق على التدريب عبر المؤسسة؟
العمل التقني يستغرق عادةً من ثلاثة إلى ستة أشهر. التوافق المؤسسي، بما فيه الاتفاق على التعريفات والحصول على التزام عابر للوظائف، غالباً ما يستغرق وقتاً أطول. ينبغي للمؤسسات التخطيط لفترة من اثني عشر إلى ثمانية عشر شهراً لتحقيق توحيد مستدام.
ما الدور الذي يجب أن يؤديه نظام إدارة التعلم في تتبع الإنفاق على التدريب؟
يجب أن يتتبع نظام إدارة التعلم نشاط التعلم لا البيانات المالية. محاولة جعل نظام إدارة التعلم نظاماً مالياً تخلق تعقيداً دون حل المشكلة الأساسية. يجب أن يوفر نظام إدارة التعلم بيانات النشاط التي ترتبط بالبيانات المالية من خلال مُعرّفات مشتركة، لا أن يحل محل الأنظمة المالية.
كيف نتعامل مع البيانات التاريخية التي لم تُصنَّف بشكل سليم؟
البيانات التاريخية غالباً لا يمكن مطابقتها بالكامل. ينبغي للمؤسسات تحديد تاريخ أساس يبدأ منه التصنيف المتسق، وقبول أن التحليل التاريخي سيكون له حدود. محاولة تنظيف جميع البيانات التاريخية بأثر رجعي عادةً ما تكلف أكثر مما تستحقه الرؤى المستخلصة.
ما هيكل الحوكمة الأمثل للحفاظ على جودة البيانات مع الوقت؟
نموذج أمناء البيانات عابر الوظائف يعمل بشكل أفضل، حيث يجتمع ممثلون عن التعلم والتطوير والمالية والمشتريات والموارد البشرية كل ربع سنة لمراجعة جودة البيانات وحل أسئلة التصنيف. بدون حوكمة مستمرة، تتدهور جودة البيانات خلال أشهر.



