حين تبرز ضغوط الميزانية، غالباً ما يكون التدريب على التحول الرقمي أول بند يُحذف من قائمة المصروفات. ليس لأنه يفتقر إلى الأهمية، بل لأنه يفتقر إلى القدرة على الدفاع عن مخرجاته. في مجالس الإدارة عبر دبي ودول الخليج العربي، يوافق المسؤولون التنفيذيون على استثمارات تقنية بمليارات الدراهم، بينما يتساءلون في الوقت ذاته عما إذا كانت القوى العاملة قادرة فعلياً على استخدام ما يتم شراؤه.
بلغ حجم سوق التحول الرقمي في دولة الإمارات العربية المتحدة 1.57 مليار دولار أمريكي في عام 2025، حيث تستحوذ المؤسسات الكبرى على ما يقارب 68% من هذا الإنفاق. ومع ذلك، حين تكشف المراجعات الربعية عن ضغوط التكاليف، تخضع ميزانيات التدريب لتدقيق نادراً ما تواجهه مشتريات التقنية. يكشف هذا النمط عن حقيقة غير مريحة: يُعامَل التدريب باعتباره بنداً اختيارياً لأن قادة التعلم والتطوير لم يجعلوه قابلاً للقياس.
المشكلة ليست في قصر نظر المسؤولين التنفيذيين. المشكلة أن برامج التدريب نادراً ما تُظهر ارتباطاً بنتائج التحول بمصطلحات يفهمها القادة الماليون.
التناقض: استثمار بلا أدلة
تواجه المؤسسات تناقضاً حقيقياً. فهي تدرك أن التحول الرقمي يفشل دون كوادر مؤهلة. وتُظهر الأبحاث باستمرار أن تطبيقات التقنية تُخفق في تحقيق أهدافها حين تعجز القوى العاملة عن التكيّف. ومع ذلك، حين تضيق الميزانيات، يُخفَض التدريب بينما تُحافَظ على تراخيص البرمجيات.
يحدث هذا لأن مشتريات التقنية تأتي بمخرجات واضحة. فتطبيق منصة تقنية له مراحل محددة، ومعايير قبول، ومساءلة للمورّد. أما برامج التدريب، فغالباً ما تُقدّم تقارير عن معدلات الإتمام ودرجات الرضا. فئة تتحدث لغة نتائج الأعمال، والأخرى تتحدث لغة النشاط.
الحل الواضح - جعل التدريب إلزامياً - لا يحل المشكلة الجوهرية. فإلزام الحضور لا يخلق قدرات. بل يخلق مسرحية امتثال تُضعف أكثر ثقة المسؤولين التنفيذيين في القيمة الاستراتيجية للتعلم والتطوير.
الرؤية الجوهرية: التدريب ليس المشكلة، القياس هو المشكلة
تُخفَض ميزانيات التدريب على التحول الرقمي لأنها لا تستطيع الإجابة على السؤال المهم: ما القدرة المؤسسية التي أنتجها هذا الاستثمار؟
تأمّل ما يحدث حين يطلب المدير المالي تبريراً. يمكن للاستثمارات التقنية أن تُشير إلى وقت تشغيل الأنظمة، أو حجم المعاملات، أو معدلات أتمتة العمليات. أما استثمارات التدريب فعادةً ما تُشير إلى ساعات التدريب المُقدَّمة وآراء المشاركين. واحدة تُثبت أثراً على الأعمال، والأخرى تُثبت أن نشاطاً قد وقع.
هذه الفجوة في القياس ليست سهواً بسيطاً. إنها تمثل خطأً جوهرياً في تموضع التدريب. حين يُقاس التدريب كحدث وليس كنتيجة قدرات، سيظل دائماً عُرضة لضغوط الميزانية. الأحداث اختيارية. القدرات استراتيجية.
التحول المطلوب ليس تصميماً أفضل للتدريب. بل مساءلة أفضل للتدريب. إدارات التعلم والتطوير التي تصمد أمام تدقيق الميزانيات هي تلك التي تستطيع إثبات تغييرات في قدرات القوى العاملة بمصطلحات ترتبط بأهداف التحول.
التطبيق العملي: منهج خط الأساس للقدرات
لنفترض أن مؤسسة كبرى خاضعة للرقابة في منطقة الخليج تُطبّق منصة رقمية جديدة عبر وحدات أعمال متعددة. المنهج التقليدي سيُخصّص ميزانية التدريب بناءً على أعداد الموظفين، ويُقدّم دورات موحّدة، ويُبلّغ القيادة بنسب الإتمام.
المنهج القائم على القدرات يبدأ بشكل مختلف. قبل أي تدريب، تُنشئ المؤسسة قياسات خط أساس لجاهزية القوى العاملة. يشمل ذلك ليس فقط تقييمات المعرفة، بل عروضاً عملية للقدرات ذات الصلة بأهداف التحول.
يستهدف الاستثمار التدريبي حينها فجوات قدرات محددة بدلاً من التوعية العامة. يُقاس التقدم مقابل خط الأساس، مع تقارير منتظمة تُظهر حركة القدرات بدلاً من نشاط التدريب. حين يحين موعد مراجعة الميزانية، يستطيع قائد التعلم والتطوير إثبات أن قدرات القوى العاملة في المجالات الحرجة تحسّنت بنسب قابلة للقياس، وأن الفجوات المتبقية تمثل مخاطر مُحدَّدة كمياً على نتائج التحول.
يُغيّر هذا المنهج محادثة الميزانية كلياً. بدلاً من الدفاع عن التدريب كتكلفة، تُثبت إدارة التعلم والتطوير القدرات كأصل.
نموذج التكامل مع مكتب إدارة البرامج
في سيناريو مؤسسي افتراضي، تأمّل جهة حكومية تُنفّذ تحولاً رقمياً واسعاً. تعمل إدارة التدريب بمعزل عن مكتب إدارة برنامج التحول، وتُقدّم تقارير بمؤشرات مختلفة لأصحاب مصلحة مختلفين.
حين تظهر ضغوط الميزانية، يحمي مكتب إدارة البرنامج ميزانية التنفيذ الأساسية بينما يُخفَض التدريب. بعد ستة أشهر، يُبلّغ برنامج التحول عن تحديات في التبنّي ومقاومة من المستخدمين. تسارع المؤسسة حينها لتمويل تدريب علاجي بأسعار مرتفعة.
المؤسسات التي تُدمج مساءلة التدريب في حوكمة التحول تتجنب هذا النمط. حين تُقدّم إدارة التعلم والتطوير تقاريرها ضمن هيكل الحوكمة ذاته الذي يُشرف على التنفيذ التقني، تصبح فجوات القدرات مخاطر مرئية وليست شواغل منفصلة. تصبح قرارات الاستثمار التدريبي جزءاً من إدارة مخاطر التحول بدلاً من بنود ميزانية مستقلة.
يتطلب هذا التكامل من قادة التعلم والتطوير قبول معايير مساءلة مختلفة. يجب أن يُقدّموا تقاريرهم بمصطلحات التحول، لا بمصطلحات التدريب. يجب أن يقبلوا أن قيمتهم تُقاس بنتائج القدرات، لا بنشاط التعلم.
مؤشرات النجاح
تتشارك المؤسسات التي تحمي استثماراتها التدريبية خلال ضغوط الميزانية سمات ملحوظة. يُقدّم قادة التعلم والتطوير فيها عروضهم للمسؤولين التنفيذيين بلغة الأعمال لا بلغة التعلم. ترتبط مؤشرات تدريبهم مباشرةً بمراحل التحول. يُشار إلى تقييمات قدراتهم في سجلات مخاطر التحول.
في هذه المؤسسات، يتطلب خفض ميزانية التدريب التبرير ذاته المطلوب لخفض ميزانية التقنية. كلاهما يُعترف به كاعتماديات للتحول. كلاهما يتطلب تقييم مخاطر قبل الخفض.
التحول في الحوكمة جوهري. تنتقل قرارات التدريب من صلاحية الموارد البشرية إلى حوكمة التحول. يُشارك قادة التعلم والتطوير في لجان توجيه البرامج بدلاً من تلقّي المتطلبات منها. تُناقَش فجوات القدرات جنباً إلى جنب مع المخاطر التقنية في المراجعات التنفيذية.
لا يحدث هذا التغيير في التموضع تلقائياً. يتطلب من قادة التعلم والتطوير إعادة بناء أنظمة القياس وعلاقاتهم مع أصحاب المصلحة في آن واحد.
التحدي الحقيقي: القياس يتطلب الصراحة
الجزء الصعب من هذا التحول ليس تقنياً. إنه ثقافي. قياس نتائج القدرات يعني قبول أن بعض برامج التدريب لا تُنتج نتائج. يعني كشف فجوات كانت معدلات الإتمام تُخفيها سابقاً.
تقاوم كثير من إدارات التعلم والتطوير قياس النتائج تحديداً لأنه يخلق مساءلة لم تواجهها من قبل. حين يُقاس نجاح التدريب بالحضور، ينجح كل برنامج. حين يُقاس نجاح التدريب بتغيّر القدرات، يفشل بعض البرامج بشكل واضح.
تتعثر المؤسسات عادةً عند نقطة التحول هذه. تريد حماية الميزانية التي تأتي من إثبات القيمة، لكنها تقاوم المساءلة التي يتطلبها إثبات القيمة. هذه ليست مشكلة قياس. إنها مشكلة قيادة.
قادة التعلم والتطوير الذين يجتازون هذا التحول بنجاح يقبلون أن الشفافية حول فاعلية البرامج هي ثمن الأهمية الاستراتيجية. يُفضّلون الدفاع عن محفظة أصغر من البرامج المُثبتة على محفظة أكبر من الأنشطة غير المُقاسة.
خلاصة
تُخفَض ميزانيات التدريب على التحول الرقمي أولاً لأنها تُموضَع كتكاليف لا كقدرات. الحل ليس مناصرة أفضل أو عروضاً أكثر إقناعاً. الحل هو أنظمة قياس تُثبت قدرات القوى العاملة بمصطلحات تعترف بها حوكمة التحول. حين يمكن الدفاع عن الاستثمار التدريبي بالصرامة ذاتها التي يُدافَع بها عن الاستثمار التقني، سيحظى بالحماية ذاتها.
أسئلة متكررة
لماذا يخفض المسؤولون التنفيذيون التدريب قبل التقنية رغم أن كليهما ضروري للتحول؟
مشتريات التقنية لها مخرجات واضحة ومساءلة للمورّد. برامج التدريب عادةً ما تُقدّم تقارير بمؤشرات نشاط لا ترتبط بنتائج الأعمال. يخفض المسؤولون التنفيذيون ما لا يستطيعون تبريره، والتدريب نادراً ما يُقدّم تبريراً يمكن الدفاع عنه بمصطلحات الأعمال.
كيف نقيس قدرات التدريب بدلاً من إتمام التدريب؟
أنشئ تقييمات قدرات خط أساس قبل بدء التدريب، باستخدام عروض عملية ذات صلة بأهداف التحول. قِس التقدم مقابل خطوط الأساس هذه على فترات محددة. قدّم تقارير عن حركة القدرات بدلاً من الساعات المُقدَّمة أو درجات الرضا.
ما الدور الذي يجب أن تلعبه إدارة التعلم والتطوير في حوكمة التحول؟
يجب أن تُشارك إدارة التعلم والتطوير في لجان توجيه التحول وتُقدّم تقارير بمؤشرات القدرات جنباً إلى جنب مع مؤشرات التنفيذ التقني. يجب أن تظهر فجوات القدرات في سجلات مخاطر التحول بالوضوح ذاته الذي تظهر به المخاطر التقنية.
كيف نحمي ميزانية التدريب خلال تمارين خفض التكاليف؟
اربط الاستثمار التدريبي بفجوات قدرات مُحدَّدة كمياً تمثل مخاطر على التحول. حين يتطلب خفض التدريب قبول مخاطر موثّقة على نتائج التحول، يخضع للتدقيق ذاته الذي يخضع له خفض ميزانية التقنية.
ما الخطوة الأولى لتغيير نظرة المسؤولين التنفيذيين لاستثمار التدريب؟
توقّف عن تقديم تقارير نشاط التدريب وابدأ بتقديم تقارير نتائج القدرات. يتطلب هذا إنشاء قياسات خط أساس وقبول المساءلة عن إثبات تغيّر قابل للقياس في القدرات.
هل تواجه تحديات في الدفاع عن ميزانية التدريب أمام القيادة التنفيذية؟



