في قاعات مجالس الإدارة عبر دبي ومنطقة الخليج العربي، يتكرر مشهد مألوف كل ربع سنة. يستعرض المدير المالي المصروفات التشغيلية، وفي مكان ما بين إدارة المرافق وتراخيص البرمجيات تظهر ميزانية التدريب. تُراجَع بذات الدقة المطبقة على المستلزمات المكتبية. ومدير التعلم والتطوير، إن كان حاضراً أصلاً، يدافع عن أرقام الحضور ومعدلات الإنجاز بينما يتفقد أعضاء المجلس هواتفهم.
هذا ليس إخفاقاً في التواصل، بل إخفاق في التأطير. يظهر التدريب كمركز تكلفة لأن قادة التعلم والتطوير يقدمونه كذلك. فلغة الدورات المُنجزة والساعات المُقدمة ودرجات الرضا تتحدث عن النشاط لا عن النتائج. في منطقة يُتوقع أن يصل فيها سوق مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي في الإمارات وحده إلى 0.70 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2030، وحيث يُتوقع أن يبلغ معدل تبني الذكاء الاصطناعي 80% بحلول عام 2025، تتخذ مجالس الإدارة قرارات حاسمة بشأن الاستثمار في القدرات. إنها تحتاج إلى أدلة على أن تطوير القوى العاملة يُحقق قيمة مؤسسية قابلة للقياس، لا مجرد تأكيدات بأن الموظفين استمتعوا بالتجربة.
السؤال ليس ما إذا كان مجلس إدارتكم مخطئاً في نظرته المتشككة للتدريب. السؤال هو: هل قدمتم له سبباً لينظر إليه بشكل مختلف؟
التوتر بين منطق الاستثمار ومقاييس التدريب
تعمل مجالس الإدارة وفق منطق الاستثمار. كل مصروف جوهري يجب أن يُثبت عائداً، سواء في نمو الإيرادات أو تقليل المخاطر أو تجنب التكاليف أو تعزيز الموقع التنافسي. تتطلب قرارات تخصيص رأس المال علاقات سببية واضحة. عندما يوافق مجلس الإدارة على خط إنتاج جديد، يتوقع بيانات إنتاجية. وعندما يُموّل توسعاً في السوق، يتوقع أرقام مبيعات.
يعمل التدريب وفق منطق مختلف تماماً. تقيس فرق التعلم والتطوير المدخلات والأنشطة: أعداد التسجيل، ومعدلات الإنجاز، ورضا المتعلمين، وجودة المحتوى. هذه المقاييس تصف ما حدث، لا ما تغيّر. لا يستطيع عضو مجلس الإدارة الذي يراجع هذه الأرقام الإجابة على السؤال الجوهري: هل جعل هذا الاستثمار المؤسسة أكثر قدرة على تحقيق أهدافها الاستراتيجية؟
الحل البديهي، وهو قياس نتائج الأعمال مباشرة، يفشل لأن معظم وظائف التدريب تفتقر إلى البنية المنهجية اللازمة لإثبات الروابط السببية. لا تستطيع عزل آثار التدريب عن المتغيرات الأخرى. ولا تستطيع تتبع التغيير السلوكي عبر الزمن. ولا تستطيع ربط تطوير مهارات الأفراد بأداء الفريق أو المؤسسة. لذا تلجأ إلى قياس ما يمكنها قياسه، ويستمر التصور بأنها مركز تكلفة.
الرؤية المحورية: التدريب ليس المنتج، القدرة هي المنتج
التحول المطلوب ليس قياساً أفضل للتدريب، بل إعادة تأطير جوهرية لما يُقدمه التعلم والتطوير. التدريب مُدخَل. القدرة مُخرَج. مجالس الإدارة لا تهتم بالتدريب، بل تهتم بما إذا كانت المؤسسة قادرة على تنفيذ استراتيجيتها.
هذا التمييز مهم لأنه يُغيّر ما يُقاس، وما يُبلَّغ عنه، وفي النهاية ما يُموَّل. وظيفة التدريب تُبلّغ عن الدورات. وظيفة القدرات تُبلّغ عن الجاهزية المؤسسية. وظيفة التدريب تسأل: هل أكمل الموظفون البرنامج؟ وظيفة القدرات تسأل: هل تستطيع المؤسسة الآن فعل شيء لم تكن قادرة عليه من قبل؟
لاحظوا الفرق في حوار مجلس الإدارة. السردية التدريبية تقول: قدمنا 40,000 ساعة تطوير مهني لـ 3,000 موظف بنسبة رضا 92%. سردية القدرات تقول: رفعنا نسبة المديرين الميدانيين القادرين على إجراء محادثات أداء فعالة من 34% إلى 71%، وهو ما يرتبط بتحسن قدره 12 نقطة في الاحتفاظ بالموظفين في تلك الوحدات.
العبارة الأولى تصف نشاطاً. الثانية تصف تغييراً مؤسسياً له تداعيات على الأعمال. مجالس الإدارة تُموّل الثانية.
التطبيق العملي: بناء البنية التحتية لقياس القدرات
تغيير السردية يتطلب تغيير نظام القياس الأساسي. هذا ليس تمريناً تواصلياً، بل تحول تشغيلي في كيفية تعريف وظائف التعلم والتطوير لعملها وتتبعه والإبلاغ عنه.
المتطلب الأول هو رسم خريطة للقدرات مرتبطة بالأولويات الاستراتيجية. بدلاً من فهرسة الدورات المتاحة، يجب على التعلم والتطوير تحديد القدرات المحددة التي تحتاجها المؤسسة لتنفيذ استراتيجيتها. في مؤسسة خدمات مالية كبيرة، قد يعني هذا رسم خريطة للمهارات المحددة المطلوبة للتحول الرقمي: الإلمام بالبيانات على مستويات متعددة، وتصميم تجربة العميل، وإدارة المشاريع بمنهجية أجايل، والامتثال للتقنيات التنظيمية. كل قدرة يجب تعريفها بمصطلحات قابلة للملاحظة والقياس.
المتطلب الثاني هو تقييم خط الأساس. قبل أي تدخل، يجب أن تعرف المؤسسة مستوى قدرتها الحالي. هنا تفشل معظم وظائف التعلم والتطوير. تُطلق برامج دون تحديد نسبة الفئة المستهدفة القادرة حالياً على أداء السلوكيات المطلوبة. بدون خط أساس، لا يمكن إثبات التحسن.
المتطلب الثالث هو التتبع الطولي. تطوير القدرات ليس حدثاً منفرداً، بل عملية تتكشف على مدى أشهر. يجب أن تتتبع أنظمة القياس التغيير السلوكي عبر الزمن، لا مجرد ردود الفعل الفورية بعد التدريب. يتطلب هذا عادةً التكامل مع أنظمة إدارة الأداء وتقييمات المديرين والبيانات التشغيلية.
التطبيق العملي: التحول في التقارير التنفيذية
بمجرد وجود البنية التحتية للقياس، يتغير حوار التقارير بالكامل. لنأخذ جهة حكومية افتراضية تستعد لتكامل كبير مع الذكاء الاصطناعي عبر عملياتها. التقرير التقليدي للتعلم والتطوير سيصف برامج تدريب الذكاء الاصطناعي المُقدمة، ومعدلات مشاركة الموظفين، ودرجات تقييم الدورات.
التقرير المُركز على القدرات سيُقدم بدلاً من ذلك: نسبة المديرين المتوسطين القادرين على تقييم عروض موردي الذكاء الاصطناعي وفق معايير محددة، وعدد الإدارات التي لديها موظف واحد على الأقل مؤهل للإشراف على تطبيق الذكاء الاصطناعي، والانخفاض في الوقت اللازم لإتمام قرارات المشتريات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، والعلاقة بين درجات الإلمام بالذكاء الاصطناعي ونجاح تبني التقنية في البرامج التجريبية.
هذا التقرير يتحدث عن الجاهزية المؤسسية. إنه يجيب على السؤال الذي تهتم به مجالس الإدارة فعلاً: هل نستطيع تنفيذ استراتيجيتنا للذكاء الاصطناعي بقوتنا العاملة الحالية؟ وإن لم نستطع، ما حجم الفجوة؟
ملامح النجاح
تُظهر المؤسسات التي تنجح في إعادة تأطير التدريب كاستثمار في القدرات عدة خصائص ملحوظة. أولاً، يحظى التعلم والتطوير بمقعد في نقاشات التخطيط الاستراتيجي، ليس بسبب المناصرة بل لأن بيانات القدرات ضرورية لتنفيذ الاستراتيجية. ثانياً، تُناقش ميزانيات التدريب إلى جانب الاستثمارات الرأسمالية، بذات الصرامة وذات التوقعات للعائد. ثالثاً، يطلب قادة وحدات الأعمال تقييمات القدرات قبل المبادرات الكبرى، معاملين جاهزية القوى العاملة كمدخل تخطيطي لا كأمر ثانوي.
والأهم من ذلك، يتحول حوار مجلس الإدارة من التبرير إلى الاستراتيجية. بدلاً من الدفاع عن المصروفات، يُقدم قادة التعلم والتطوير فجوات القدرات التي تُقيّد الخيارات الاستراتيجية. يتغير السؤال من "هل التدريب يستحق تكلفته" إلى "هل تستطيع المؤسسة تحمّل فجوة القدرات".
الصعوبة الحقيقية
هذا التحول صعب فعلاً. معظم وظائف التعلم والتطوير تفتقر إلى القدرات التحليلية لبناء أنظمة قياس سليمة. وتفتقر إلى الثقل السياسي للمطالبة بالتكامل مع بيانات الأداء والتشغيل. وتفتقر إلى الخبرة المنهجية لإثبات روابط سببية موثوقة بين التدخلات والنتائج.
نمط الفشل المعتاد هو محاولة التحول في السردية دون البنية التحتية الداعمة. يبدأ قادة التعلم والتطوير في استخدام لغة القدرات ونتائج الأعمال بينما يستمرون في قياس الدورات والرضا. تُدرك مجالس الإدارة سريعاً الفجوة بين الخطاب والأدلة. وتتآكل المصداقية أكثر.
المسار الصادق للأمام يتطلب الاعتراف بفجوة القياس الحالية، واقتراح جدول زمني واقعي لبناء البنية التحتية المناسبة، وإثبات مكاسب مبكرة في مجالات قدرات محددة قبل ادعاء تحول على مستوى المؤسسة. هذا جهد يمتد لسنوات، لا مبادرة ربع سنوية.
خلاصة
ينظر مجلس إدارتكم إلى التدريب كمركز تكلفة لأن الأدلة التي تقدمونها تدعم هذا الاستنتاج. تغيير السردية يتطلب تغيير الأدلة. هذا يعني بناء أنظمة قياس تتتبع القدرات لا النشاط. ويعني الإبلاغ عن الجاهزية المؤسسية لا عن تقديم البرامج. ويعني القبول بأن التحول يستغرق سنوات لا أرباع سنة.
المبدأ الذي يجب العمل به بسيط: قيسوا ما يهم مجلس الإدارة، لا ما يسهل قياسه. كل شيء آخر يتبع هذا الالتزام.
أسئلة متكررة
كم يستغرق عادةً بناء نظام موثوق لقياس القدرات؟
تحتاج معظم المؤسسات من 18 إلى 24 شهراً لوضع قياسات خط الأساس، وتطبيق أنظمة التتبع، وتوليد بيانات طولية كافية لإثبات اتجاهات موثوقة. محاولة تسريع هذا الجدول الزمني تُنتج عادةً بيانات غير موثوقة تُقوّض المصداقية.
ماذا لو كانت مؤسستنا تفتقر إلى الخبرة التحليلية لبناء هذه الأنظمة داخلياً؟
هذا شائع. تتعاون كثير من المؤسسات مع متخصصين خارجيين للتصميم والتطبيق الأولي، ثم تبني قدرات داخلية تدريجياً. المفتاح هو ضمان نقل المعرفة حتى تتمكن المؤسسة من صيانة النظام وتطويره باستقلالية.
كيف نُثبت الروابط السببية بين التدريب ونتائج الأعمال؟
إثبات السببية البحتة صعب خارج التجارب المضبوطة. تركز معظم المؤسسات على إظهار ارتباطات قوية مع ضوابط مناسبة، مقترنة بأدلة نوعية من المديرين والمشاركين. الهدف هو الدفاعية المعقولة، لا البرهان الأكاديمي.
ما المقاييس التي يجب تقديمها لمجلس الإدارة خلال فترة الانتقال؟
خلال الانتقال، قدموا لوحة مؤشرات مزدوجة: مقاييس النشاط التقليدية إلى جانب مؤشرات القدرات المبكرة. كونوا صريحين بأنكم تبنون نحو قياس النتائج. مجالس الإدارة تحترم الشفافية بشأن تطوير المنهجية أكثر من ادعاءات التأثير المبكرة.
كيف نحصل على مشاركة قادة وحدات الأعمال في تقييمات القدرات؟
ابدأوا بوحدات الأعمال التي تواجه فجوات قدرات واضحة تُقيّد أهدافها. عندما تساعدهم بيانات القدرات في تأمين الموارد أو تفسير تحديات الأداء، تصبح المشاركة ذاتية التعزيز. تجنبوا إلزام المشاركة قبل إثبات القيمة.



